شذرات من ذاكرة ابن جرير - الرحامنة

Publié le 21 Janvier 2022

"سي البهلول" مثال للحكمة والبساطة

من الكلمات الدخيلة على العامية المحلية بالرحامنة لفظتا "الفِيلاَجْ"[1] و"القَشْلَة"[2]. وقليل من المواطنين الرحمانيين القدامى المتبقين على قيد الحياة، عايشوا المدعو قيد حياته سي البهلول الذي كان يسكن بأحد دواوير جماعة الجعافرة، وكان يتردد يوميا على القشلة قبل أن يستقر بدوار "جلود باري" أواخر خمسينيات القرن العشرين. وقد اشتهر هذا الرجل بنحافته وطول قامته وحكمته وعزفه على آلة "لوطار أو الكنبري" وخبرته بطرب الحوزي، الشيء الذي مكنه من مجالسة رجال سلطة وأعيان. ومن الطرائف التي اشتهر بها، كونه لجأ مرة إلى السيد محمد بن المحجوب لحمادي[3] الذي كانت تربطه به علاقة حميمية، وكان هو المالك للأراضي الشاسعة التي بني عليها دوار إفريقيا. ولما استقبله هذا الأخير سأله إن كانت له حاجة عنده، فأجابه قائلا "وَعْلاَشْ كَيْجِيوْ يْشُوفُوكْ النَّاسْ؟" ففهم منه أنه جاء يطلب قطعة أرضية لبناء مسكن بحي إفريقيا. ولما سأله عن المساحة التي تكفيه أجابه "ثَلْثْ تَمْغِيطَاتْ[4] طُولْ وْثْلاَثَ عُرْضْ" فابتسم سي محمد بن المحجوب وأمر مساعده سي عباس العطار رحم الله الجميع، بتلبية طلب سي البهلول، ورفض تقاضي ثمن البقعة تكريما للرجل.

ومن الطرائف التي كان يحكيها أنه مرة كان في طريقه لزيارة أحد أصدقائه بضواحيها مراكش المشهورة ببساتينها وأشجارها وقنواتها المائية. ونظرا للحرارة المفرطة ولطول الطريق، ارتأى أن يعبر البساتين غير آبه بالحدود، فصادف أن رآه أحد الحراس فتوجه إليه بالسب والشتم، لكن سي البهلول لم يكترث لما كان يتفوه به الرجل. وبما أنه شعر ببعض التعب جلس يستظل تحت شجرة رمان مثقلة بالفواكه بجانب قناة للماء ارتوى منها، ثم أخرج من محفظته (الشكارة) آلة "السَّبْسِي" فدخن غليونين (جوج ديال الشقوفة)، وانتظر وصول الحارس. وما كان منه إلا أن سأله عن السبب الذي جعله يكيل له الشتائم رغم أنه لم يتسبب في إتلاف أي شيء في البستان، مما جعل الحارس يرتبك ويطلب المعذرة. ولما أحس أن الرجل ندم على أقواله طلب منه أن يبيع له بعضا من الرمان وسأله عن السعر فأجاب الحارس أن لكل مستوى من العلو ثمن، الرمان المتدلي أسفل الشجرة بريال (خمس سنتيمات)، والذي في أوسطها بريالين والذي يوجد في أعلاها بأربعة ريالات. وبما أن سي البهلول كان جالسا القرفصاء، وأنه تيقن بأن الحارس لم ينتبه لطول قامته، بدا له أن ينتقم منه بطريقة ذكية فاتفق معه على ريالين شريطة أن يقف ويجني الرمان بيده، فوافق الحارس. ولما وقف سي البهلول "حْتَى عْلَى الشَّجْرَ مَنْ گُطَّايْتْهَا" حسب قوله يعني من قمتها، فانبطح الحارس الذي شعر بأنه ضحية لحيلة من طرف سي البهلول على ركبتيه وأخذ يتوسل إليه أن يزود الثمن الذي اتفقا عليه ويقول " أَ الشّْرِيفْ رَانِي شْرِيتْكْ بَارْكْ أُ خْسَرْتْ فِيكْ".      

لما استقر سي البهلول بدوار "جلود باري" كانت احدى نساء الدوار التي كانت متزوجة بمنطقة دكالة، رجعت لتستقر بالدوار بعد وفاة زوجها الذي ترك لها ولدا أسمته "شْعَيْبَة" وهو تصغير لاسم بوشعيب، وكان مشتهرا بالشغب، حيث كانت ساكنة الدوار تخشى مقالبه الشيطانية. وكان سي البهلول لما يتردد على القشلة، يترك أتانه[5] في فندق كان في ملكية العربي كشيريد الذي كان يخصصه للقاءاته من البعد الثالث. وكان يسكنه رجل اسمه الجيلالي الذي كان له حمار حملت منه اتان سي البهلول. ومنذ أن علم بالأمر وهو يردد لزوجته "الله يَلّْطَفْ مَنْ هَادْ التَّرِّيكَة دْيَالْ الجِّيلاَلِي"، إلى أن جاء الجحش الذي كان يمتعض من ولادته وهو جنين في بطن أمه. وقد اشتهر جحش سي البهلول بالشغب حيث كان يتركه في البيت، لكن بعد حين كان القوم يخبرونه بقدومه ومصاحبته للكلاب الضالة التي كانت تؤثث فضاء القشلة. وتيمنا بشعيبة الإنسان، أطلق سي البهلول اسمه على الجحش، وكان دوما يردد لزوجته ولأصحابه "الله يَلّْطَفْ مَنْ هَادْ التَّرِّيكَة دْيَالْ الجِّيلاَلِي". وذات يوم من أيام شهر غشت، استغرب سي البهلول كون الجحش لم يلحق به فتوجس وظل يردد لازمته. ولما رجع إلى بيته عِشاءً استقبلته زوجته بالبكاء والعويل ولما سألها عما حصل اخبرته أن شعيبة (الجحش) اصطحب العجل إلى إحدى المغارات بالوادي فأدركهما السيل الناتج عن الرعد فغرقا معا. فأجابها سي البهلول "الحَمْدُ لله مَلِّي جَاتْ غِيرْ فْلَعْجَلْ وَتْفَاوتَاتْ عْلِينَا". ولمجرد التذكير شعيبة الإنسان (لا الجحش) هو الجزار الذي ضبط متلبسا بذبح الحمير والكلاب فحوكم وسُجن وتم نفيه من ابن جرير، فاستقر في مدينة المحمدية ثم انتقل بعدها إلى الرباط حيث وافته المنية. ومن طرائف محاكمة شعيبة، رحمه الله وغفر له، أنه توجه أثناء محاكمته بالكلام إلى أحد القضاة قائلا: "وانْتَ نْعَامْ أَسِّي بْرَاسَكْ رَاكْ ضَارَبْ جًوجْ وَلاَّ ثْلاَثَ دْيَالْ لَحْمِيرْ بْلَا فْرَانَكْ بْلاَ نَصّْ".     

كان سي البهلول يتردد مرة بعد أخرى على صخور الرحامنة التي كانت وقتها مركزا استراتيجيا مهما بالنسبة للفرنسيين، حيث شهدت معركة[6] صغيرة مهدت لمعركة سيدي بوعثمان يوم 6 ستنبر 1912، التي انتصرت فيها قوات الاحتلال على جيش المعارضة المغربية برئاسة الشيخ ماء العينين، وهي المعركة التي تغنت بها العيطة الحوزية بما يلي: "فِينْ إِيَّامَكْ أَبُو عَثْمَانْ رَاهْ الطَّرَابَشْ كِبَلَعْمَانْ"، ولا يزال النصب التذكاري للمعركة قائما إلى اليوم. وقد أقام الفرنسيون بصخور الرحامنة مستشفى مختصا في أمراد الجهاز التنفسي، مثل المستشفى الذي أقاموه بمنطقة بن صميم بين مدينتي إفران وأزرو، وذلك نظرا للمناخ الصحي الذي تتميز به المنطقتان. ومن المفارقات بالنسبة لمواطني الرحامنة آنذاك أن تحظى صخور الرحامنة بمستشفى مجهز بأسرة لاستقبال المرضى، بينما كان نصيب ابن جرير مجرد مستوصف يدبره الممرض سي عبد العزيز الطرومباطي رحمه الله، وكان المستوصف يستقبل الطبيب الدكتور "Fonvielle" المعين في صخور الرحامنة مرة كل يوم ثلاثاء حيث يقام السوق الأسبوعي.

وكانت رحلات سي البهلول إلى صخور الرحامنة، رغم امتعاضه منها، بإلحاح من أصدقائه. ولما سأله أحدهم مرة عن سبب امتعاضه من قريتهم أجابه مازحا: "لُو كَانَتْ لاَرْبْعَ فِيهَا شِي خَيْرْ مَتْكُونْشْ هِيَ نَثْوَى، وُبَنْكْرِيرْ وُسِيدِي بُوعَثْمِانْ ذْكُورَا".

ويُحكى أن سي البهلول كان في شبابه "زَطَّاطْ" لمن أراد عبور الرحامنة في اتجاه مراكش أو الدار البيضاء بأمان، وقاطع طريق لمن فضل المخاطرة. وبعد تولي القائد العيادي الذي كان هو الآخر " زَطَّاطْ "، شؤون الرحامنة، حصل أن جاءه سي البهلول متقاضيا فانتقص من شأنه حيث ذكَّره بانه كان مجرد قاطع طريق، فجاء جواب سي البهلول في منتهى اللباقة "مَا زِينْ حَدّْ أَسِيدْ القَائِدْ".

كان سي البهلول على فقره وعوزه، رؤوفا بالفقراء والمساكين، وكان في تصرفاته معهم غريب الأطوار. وقد حدث أن تعرف على أحدهم وكان يتواصل معه مرة في الأسبوع يوم الثلاثاء (يوم السوق الأسبوعي). وكان سي البهلول مساء كل اثنين، يضع قطعة نقدية من فئة خمسة دراهم في ثقب بالحائط قرب باب منزله، فكان الرجل المعتوه يمر صبيحة كل يوم ثلاثاء ليأخذ القطعة النقدية ثم ينصرف، وقد دام ذلك لسنوات.  وذات يوم ثلاثاء خرج سي البهلول من بيته قاصدا السوق فلاحظ أن القطعة النقدية التي وضعها في الثقب لصاحبه المعتوه مساء الليلة السابقة، ما تزال مكانها. بعدها وهو في طريقه إلى السوق، التقى بأحد أصحابه الذي أخبره بأن القوم في حاجة إلى مبلغ من المال لدفن رجل معتوه توفاه الله الليلة السابقة، وعلم من صاحبه أن المتوفى هو صاحب القطعة النقدية، فمشى في جنازته وصلى عليه مع الجماعة وحضر مراسيم دفنه، وبكى بكاء مُرًّا في صمت، ولم يخبر حينها أحدا بالعلاقة التي كانت تربطه بالميت.    

وكان سي البهلول على علاقة غريبة مع البودالي الرگيطي (فؤاد) لكون الأول طويل والثاني قصير القامة، فكان كل واحد منهما ينظم نكتا على الآخر. ومن النوادر التي اشتهر بها البودالي الرگيطي، الذي كان يمتلك سيارة رونو " Juva quatre "، (جيفا كات كما كان يسميها العامة) وهي سيارة تم إيقاف إنتاجها سنة 1960، حيث استبدلت ب: " Renault quatre ". وكان في ابن جرير نموذج من هذه السيارة لدى المكتب الوطني للكهرباء وكان لونها أصفر باهت، لم يستغن عنها إلا في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

وذات يوم ثلاثاء كان سي البودالي خارجا من السوق الأسبوعي فرأى رئيس مكتب الدرك " Mr. Pélicier " ينتظر من يوصله مع الأغراض التي اشتراها من السوق إلى مقر سكناه، فعرض عليه أن يوصله. وساعده في وضع أغراضه في السيارة، ثم انطلقا. ولما اقترب سي البودالي من مكتب الدرك التفت إلى " Mr. Pélicier " قائلا في عفوية منقطعة النظير: " أَشْ ظْهَرْ لِيكْ أَمَسْيُو لاَجُودَانْ، إلَى دَوَّزْتْ البِيرْمِي نْجِيبُو ؟". ارتبك الدركي فأُخرِس وصار كلما رأى صاحبه سائقا سيارته أدار وجهه متعمدا لتفادي أي إحراج، مع العلم أنه كان يجالسه ويذكره في كل مرة بأن من واجبه تجاوز امتحان رخصة السياقة تفاديا لإحراج رجال الدرك في حالة وقوع أي حادث محتمل، لا قدر الله. .

 هذه صورة لسيارة  Juva 4​​​​​ 

​ذات يوم (وكان يوم خميس) من سنة 1978، وأنا حينها أشتغل بالبنك الشعبي المركزي بالدار البيضاء، شعرت برغبة ملحة في مغادرة العمل بل الدار البيضاء لألتحق بابن جرير، واستأذنت مديرة المصلحة التي كنت أعمل بها، فأذنت لي. وهكذا غادرت الدار البيضاء في اتجاه ابن جرير حيث وصلت في وقت متأخر من الليل. وفي اليوم الموالي توجهت لصلاة الجمعة بمسجد القائد العيادي، فلما قضيت الصلاة إذا بالمؤذن يقيم صلاة جنازة رجل، فما كان مني إلا أن استجبت للإقامة وكنت متوجسا دون أي سبب يذكر. ولما غادرنا المسجد التقيت بأحد المصلين الذي كنت أعرفه حق المعرفة وهو سي المختار العزوزي الذي كان تاجرا للخضر بالسوق المركزي لابن جرير، فسألته عن الرجل الذي صلينا عليه صلاة الجنازة فأخبرني أنه سي البهلول رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. ولما التقيت ببعض الإخوان الذين كانوا يعرفونه حق المعرفة، توصلنا إلى كون سي البهلول عمَّر أكثر من 130 عاما.

ذات يوم (وكان يوم خميس) من سنة 1978، وأنا حينها أشتغل بالبنك الشعبي المركزي بالدار البيضاء، شعرت برغبة ملحة في مغادرة العمل بل الدار البيضاء لألتحق بابن جرير، واستأذنت مديرة المصلحة التي كنت أعمل بها، فأذنت لي. وهكذا غادرت الدار البيضاء في اتجاه ابن جرير حيث وصلت في وقت متأخر من الليل. وفي اليوم الموالي توجهت لصلاة الجمعة بمسجد القائد العيادي، فلما قضيت الصلاة إذا بالمؤذن يقيم صلاة جنازة رجل، فما كان مني إلا أن استجبت للإقامة وكنت متوجسا دون أي سبب يذكر. ولما غادرنا المسجد التقيت بأحد المصلين الذي كنت أعرفه حق المعرفة وهو سي المختار العزوزي الذي كان تاجرا للخضر بالسوق المركزي لابن جرير، فسألته عن الرجل الذي صلينا عليه صلاة الجنازة فأخبرني أنه سي البهلول رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. ولما التقيت ببعض الإخوان الذين كانوا يعرفونه حق المعرفة، توصلنا إلى كون سي البهلول عمَّر أكثر من 130 عاما.

 


[1] وأصلها فرنسي "Village" وتعني القرية.

[2] وهي كلمة تركية الأصل تعني المكان الذي يمكث فيه الجنود أو الحصن أو القلعة. ونجدها في قاموس سكان ابن جرير، صخور الرحامنة وسيدي بوعثمان، وهي مجموعات سكانية كانت بها ثكنات عسكرية.

[3]  هو والد السيدان أحمد لحمادي المدير وأستاذ الفرنسية الذي تتلمذ عليه الكثير من الرعيل الأول من أبناء الرحامنة، والجنرال المحجوب لحمادي.

[4] "التمغيطة" تعني قامة سي البهلول كوحدة لقياس البقعة، مع العلم انه كان يتجاوز المترين طولا.

[5]  الأتان هي أنثى الحمار.

[6]  لا تزال إلى يومنا هذا، الأغنية الشعبية الحوزية تتغنى بهذه المعركة، حيث تقول "فِينْ إِيَّامَكْ يَا لاَرْبْعَ كَانْ مُوسَمْ وَلاَّ حَرْكَة".

Rédigé par Laabadi's

Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article